أحمد أمين

44

كتاب الأخلاق

3 - إذا كانت الإرادة قوية ولكن مرضها في اتجاهها ، أعني أن اتجاهها إنما هو نحو الجرائم والشرور ، فعلاجها أن نعرف النفس طرق الخير والشر ونزودها ببيان نتائجهما ونلزمها بإطاعة بواعث الخير ، ونحوطها بكل ما يحبب إليها الخير حتى تتجه الجهة الخيرة ، ويجب أن تتذرع بالصبر في مقاومة ميلها إلى الشرور حتى تهتدي إلى الصراط المستقيم ، كما نفعل بالشجرة الفتية إذا نحن آنسنا منها اعوجاجا ، فإنا نحوطها بكل ما يصلح وجهتها ونقاوم اعوجاجها حتى تستقيم قناتها ، ولا يستطيع شيء تعويجها . حرية الإرادة : المسائل التي شغلت عقول الناس قديما وحديثا وثار بسببها الجدال بين الفلاسفة بعضهم مع بعض ، وبين رجال الدين وعلماء الأخلاق مسألة « حرية الإرادة » ، وبعبارة أخرى مسألة الجبر والاختيار ، أعني : هل إرادتنا حرة في اختيار العمل الذي نعمله ؟ هل العامل مختار في أن يفعل وألا يفعل ويستطيع أن يشكل عمله بما يشاء ؟ هل نحن أحرار في اتباع ما تأمر به الأخلاق ، فنستطيع أن نطيع ونستطيع أن نعصي ؟ هل الإرادة حرة أمام القضاء والقدر ؟ أو نحن مجبرون على السير في طريق خاص لا يمكننا أن نتعداه ، وأن ما حصل ما كان يمكن أن يحصل غيره ، وأن إرادتنا معلولة بعلل ، فإذا حصلت العلل حصل المعلول لا محالة ؟ انقسم الباحثون في الإجابة على هذه المسألة إلى قسمين - وقديما اختلفوا ولا يزالون مختلفين إلى اليوم - : ففلاسفة اليونان كان بعضهم يرى أن الإرادة حرة في الاختيار ، وبعضهم كان يرى أنها مجبرة على السير في طريق لا يمكنها أن تتعداه . ولما بدأ العرب يبحثون في العلم اعترضتهم هذه المسألة ؛ فغلا قوم وقالوا : إن الإنسان مجبور وليس له إرادة حرة ، بل إن القدر يصرفها حسب ما يرسم لها ، والإنسان كالريشة في مهب الريح أو كالقشرة بين يدي الأمواج ، لا إرادة له ولا اختيار ؛ وإنما يجري الله العمل على يديه . وغلا آخرون فقالوا : إن إرادة الإنسان حرة ، وفي استطاعته أن يعمل الشيء وضده وهو يفعل ما يختار . واشتد الجدال بين الفريقين وأدلى كل ما بحججه مما لا محل لذكره هنا .